محمد فاروق النبهان
28
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
الغيب ، والإنسان أقل قدرة من أن يحيط بالكون وأن يفهم أسراره وغوامضه ، فالإنسان لا يدرك الكثير عن نفسه ولا عن تكوين ذاته ، ولا عن معنى الحياة التي يعيشها ، وفي معظم الأحيان يقف موقف العجز المطلق أمام ظاهرة صغيرة لا يستطيع فهمها ، ويجد نفسه على غير إرادة منه يستسلم لها ، متجاوزا معاييره العقلية ، معلنا عجز الإنسان عن الفهم ، مكتفيا بما هو قادر على فهمه . والدين ليس كرواية تاريخية ، والوحي ليس كحدث تاريخي مروي بأسانيد موثقة ، والأمر أعمق من ذلك وأكثر دقة ، وهو دراسة ظاهرة الدين والوحي والقرآن . . . ولا شك أن الإنسان يحتاج إلى ما هو أكثر من العقل ، وإلى ما هو أكثر من الرواية ، إنه يحتاج إلى الفهم ، يحتاج إلى النظر الشمولي للحياة ، يحتاج إلى أن يكتشف الكون في عظمته ، في وجوده ، في إحاطته . العقل جزء يسير من الإنسان ، الإنسان أسمى من العقل وأشمل ، والإنسانية جزء يسير من أسرار الأرض ، والأرض جزء صغير من الكون ، والكون كله مخلوق ، والمخلوق لا يقاس بالخالق ، وإذا عجز العقل عن إدراك بعض أسرار الإنسان والحياة على الأرض فإن من الأولى أن يكون أكثر عجزا عن إدراك أسرار الكون . والإنسان القديم منذ فجر الإنسانية أحس بحاجته للدين ، وكان نزوعه للدين واضحا في تفكيره وسلوكه ، وكان سعيه البدائي للبحث عن الدين مؤكدا أصالة الشعور الديني في تكوين الإنسان ، قد يخطئ الإنسان الطريق ، وقد يضل في بحثه عن الدين ، ولكنه لم يستطع أن يتخلص بطريقة فعلية من الدين ، وأثبتت الآثار القديمة التي اكتشفها الإنسان أن الإنسان البدائي كان يمارس عبادته الدينية بطريقة تلائمه ، وكانت له شعائر دينية يتمسك بها ، ولما بدأت الحضارات لم تستطع أن تضعف الشعور الديني ، ونما هذا الشعور في ظل الحضارة ، وأصبحت المعابد الصروح الأولى التي بناها الإنسان ، وما زلنا حتى اليوم نجد في المعابد القديمة رموزا تؤكد عمق الشعور الديني لدى الإنسان القديم ، ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا : إن الحضارات الأولى كانت حضارات ذات مضامين دينية .